الشيخ محمد النهاوندي
52
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قُرِئَ الْقُرْآنُ بمسمع منكم فَاسْتَمِعُوا لَهُ بآذانكم وقلوبكم وَأَنْصِتُوا له حين قراءته ، ولا تتكلّموا بشيء تعظيما له وتكميلا للسّماع لَعَلَّكُمْ تفوزون بأعظم فوائده ومنافعه و تُرْحَمُونَ بالرّحمة الخاصّة الإلهيّة . عن ابن عبّاس قال : كان المسلمون قبل نزول هذه الآية يتكلّمون في الصّلاة ، ويأمرون بحوائجهم ، ويأتي الرجل الجماعة وهم يصلّون فيسألهم : كم صلّيتم ، وكم بقي ؟ فيقولون : كذا وكذا ، فأنزل اللّه هذه الآية وأمرهم بالإنصات عند الصّلاة ، فأريد من قراءة القرآن الصلاة لكونها معظم أجرائها « 1 » . وعنه أيضا قال : قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الصّلاة المكتوبة ، وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه ، فنزلت الآية « 2 » . وعن الباقر عليه السّلام : « إن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئا في الأوليين ، وأنصت لقراءته ، ولا تقرأنّ شيئا في الأخيرتين ، فإنّ اللّه يقول « 3 » : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ يعني في الفريضة ، خلف الإمام فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ والأخيرتان تتبع للأوليين » « 4 » . وعن الصادق عليه السّلام : « إذا كنت خلف إمام تتولّاه وتثق به فإنّه يجزيك قراءته ، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت به ، فإذا جهر فأنصت ، قال اللّه تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ « 5 » » . وعن أحدهما عليهما السّلام قال : « إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت وسبّح في نفسك « 6 » » . أقول : فيه دلالة على اجتماع الإنصات مع الذّكر الخفيّ ، فعلم أنّ في الجماعة يجب الإنصات لقراءة الإمام ، وأمّا في غير الجماعة فلا إشكال في استحبابه ، و [ أمّا ] الصلاة خلف الإمام غير المرضيّ فحكمه حكم غير الجماعة . عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن الرّجل يؤمّ القوم وأنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة ، فقال : « إذا سمعت كتاب اللّه يتلى فأنصت له » . قيل : فإنّه يشهد عليّ بالشّرك ، قال : « إن عصى اللّه فأطع اللّه » . فرددت عليه فأبى أن يرخّص لي . قيل : اصلّي إذن في بيتي ثمّ أخرج إليه ، فقال : « أنت وذاك » . وقال : « إنّ عليّا عليه السّلام كان في صلاة الصّبح فقرأ ابن الكوّاء وهو خلفه وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 303 . ( 2 ) . تفسير الرازي 15 : 102 . ( 3 ) . زاد في من لا يحضره الفقيه وتفسير الصافي : للمؤمنين . ( 4 ) . من لا يحضره الفقيه 1 : 256 / 1160 ، تفسير الصافي 2 : 262 . ( 5 ) . التهذيب 3 : 33 / 120 ، تفسير الصافي 2 : 263 . ( 6 ) . تفسير العياشي 2 : 179 / 1677 ، تفسير الصافي 2 : 263 .